الشيخ محمد رشيد رضا

166

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الانهماك والاسترسال فيها ، فهم يحاولون إماتة شعوره الفطري ، كما أمات النشوء في الجهل برهانه الكسبي أرى السائل نظر من رسالة التوحيد في المقدمات ووعاها ولكنه لم يدقق النظر في المقاصد والنتائج ، لذلك نراه مسلما بالمقدمات دون النتيجة مع اللزوم بينهما ، فإذا هو عاد إلى مبحث ( حاجة البشر إلى الرسالة ) وتدبره وهو مؤمن باللّه وانه أقام الكون على أساس الحكمة البالغة والنظام الكامل فإنني أرجو له أن يقتنع . ثم انني آنست منه انه لم يقرأ مبحث ( وقوع الوحي والرسالة ) أو لعله قرأه ولم يتدبره ، فإنه لم يذكر البرهان على نفس الرسالة ويبني الشبهة عليه وانما بناها على جزء من أجزاء المقدمات ، وهي القول في بعض صفات الرسل عليهم السّلام . وانني اكشف له شبهته أولا فأبين انها لم تصب موضعها ثم أعود إلى رأيي في الموضوع ان [ جان درك ] التي اشتبه عليه امرها بوحي الأنبياء لم تقم بدعوة إلى دين أو مذهب تدعي ان فيه سعادة البشر في الحياة وبعد الموت كما هو شأن جميع المرسلين ، ولم تأت بآية كونية ولا علمية لا يعهد مثلها من كسب البشر تتحدى بها الناس ليؤمنوا بها . وانما كانت فتاة ذات وجدان شريف هاجه شعور الدين وحركته مزعجات السياسة ، فتحرك ، فنفر ، فصادف مساعدة من الحكومة ، واستعدادا من الأمة للخروج من الذل الذي كانت فيه ، وكان التحمس الذي حركته سببا للحملة الصادقة على العدو وخذلانه . وما أسهل تهييج حماسة أهل فرنسا بمثل هذه المؤثرات وبما هو أضعف منها ، فان نابليون الأول كان يسوقهم إلى الموت مختارين بكلمة شعرية يقولها ككلمته المشهورة عند الأهرام وأذكر السائل الفطن بأنه لم يوافق الصواب في إبعاد الفتاة عن السياسة ومذاهبها فقد جاء في ترجمتها من دائرة المعارف ( العربية للبستاني ) ما نصه : « كانت متعودة الشغل خارج البيت كرعي المواشي وركوب الخيل إلى العين ومنها إلى البيت ، وكان الناس في جوارد ومرمي [ اي بلدها ] متمسكين بالخرافات ، ويميلون إلى حزب اورليان في الانقسامات التي مزقت مملكة فرنسا ، وكانت جان